ابن القلانسي

105

تاريخ دمشق

وكان لا يمشي خطوات إلا وقد تلقته الخدم بالتشريف والحملان ، وهو ينزل عن فرسه ويقبل الأرض ، ويعود إلى ركوبه ، ولم يزل على هذه الحال إلى أن وصل إلى القصر ، ودخل إلى القصر على الحاكم ، فخدمه ودعا له ، وشرح حاله إلى أن ظفر بالعدو ، وخرج بعد ذلك إلى داره ، وتقدم وجوه القواد وشيوخ الدولة بالمصير إلى أبي ركوة ومشاهدته ، ويقال ( 43 ظ ) أن الحاكم قد مضى من غد ذلك اليوم ، وقد رسم أن يشهر ويطاف به في مصر « 1 » واتفق دخول القائد ختكين الداعي ، وكان قديما صاحب دواة الملك عضد الدولة ، فسلم عليه ، وقال له : ألك حاجة إلى أمير المؤمنين ؟ فقال له : من أنت ؟ قال : فلان ، قال : عرفت حالك وسدادك وأريد أن توصل لي رقعة إلى أمير المؤمنين ، فقال : اكتبها وهاتها ، فاستدعى أبو ركوة دواة من أصحاب الفضل ، ودرجا ، وكتب فيه : يا أمير المؤمنين إن الذنوب عظيمة والدماء حرام ما لم يحلها سخطك ، وقد أحسنت وأسأت وما ظلمت إلا نفسي ، وسوء عملي أوبقني ، وأنا أقول : فررت ولم يغن الفرار ومن يكن * مع اللّه لا يعجزه في الأرض هارب وو اللّه ما كان الفرار لحاجة * سوى جزع الموت الذي أنا شارب وقد قادني جرمي إليك برمتي * كما أخر ميتا في رحا الموت سارب واجمع كلّ الناس أنك قاتلي * ويا ربّ ظنّ ربّه فيه كاذب وما هو إلّا الانتقام تريده * فاخذك منه واجبا لك واجب

--> ( 1 ) كانت ثورة أبي ركوة - الذي أدعى أنه من ولد هشام بن عبد الملك بن عبد الرحمن الداخل - أعظم الثورات ضد الفاطميين في مصر ، تفجرت بين قبائل بني قره في الأراضي الليبية الحالية المصاقبة للحدود المصرية ، وقد انضم للثورة قبائل زناته البربرية ، وأخفقت أكثر من حملة وجهها الحاكم للقضاء عليها ، ويبدو أن بعض المساعدات وصلت إلى أبي ركوة من ملك النوبة ، لهذا فرّ إليه عندما أخفقت ثورته ، وقام هذا الأخير بتسليم أبي ركوة كيما يغطي على تواطئه معه . انظر تاريخ دولة الكنور الاسلامية للدكتور عطية القوصي - ط . القاهرة 1976 : 49 - 56 .